شوقي ضيف
178
المدارس النحوية
فمن يك أمسى بالمدينة رحله * فإني وقيّار بها لغريب فغريب خبر إن بدليل دخول لام التوكيد عليه وخبر « قيار » محذوف ، تقديره كذلك . وكأنما أحسّ الفراء تلميذ الكسائي أن البصريين مصيبون في موقفهم لعدم جريان ذلك على ألسنة العرب ، فرأى أن يتوقف عند نص الآية وأن يخصّص القاعدة بما يماثلها ، فقال إنه لا يجوز ذلك إلا فيما لم يظهر فيه عمل إن ، وهو الاسم المبنى مثل الذين في الآية وضمير المتكلم في بيت ضابئ « 1 » . ومن ذلك الآية الكريمة : ( إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبادٌ أَمْثالُكُمْ ) في قراءة سعيد بن جبير بنصب كلمة ( عبادا ) مما جعل الكسائي يضع قاعدة عامة ، وهي أن إن النافية إذا دخلت على الجملة الاسمية عملت عمل ليس ، فرفعت الاسم ونصبت الخبر . وهي - في رأى سيبويه - لا تعمل بل تهمل دائما ، وكأن قراءة سعيد بن جبير في رأيه شاذة فذة لا يصح أن تتّخذ منها قاعدة . ولعل من الطريف أن نعرف أن الفراء كان يتابع سيبويه في رأيه ، بينما كان يتابع المبرد البصري الكسائي فيما ارتآه من عملها « 2 » . وفي ذلك ما يشهد بأن مدار الاختلاف بين المدرستين الكوفية والبصرية وأئمتهما لم يكن يراد به إلى المناقضة ، وإنما كان يراد به إلى تبين وجه الصواب في إخلاص ، ولذلك كثر بينهم الالتقاء في الآراء وأن يتابع الكوفي البصريين والبصري الكوفيين ، وكأنهم جميعا أغصان من دوحة واحدة . ومن ذلك الآية الكريمة : ( وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقاظاً وَهُمْ رُقُودٌ وَنُقَلِّبُهُمْ ذاتَ الْيَمِينِ وَذاتَ الشِّمالِ وَكَلْبُهُمْ باسِطٌ ذِراعَيْهِ بِالْوَصِيدِ ) فقد لاحظ أن اسم الفاعل ( باسط ) مع أنه بمعنى الماضي في الآية ، لأنه يحكى قصة أهل الكهف ، عمل النصب في كلمة ذراعيه ، فوضع قاعدة عامة ، هي أنه يعمل النصب بمعنى الماضي وبمعنى الحال والاستقبال ، بينما كان يمنع البصريون عمله النصب فيما بعده على المفعولية وهو بمعنى الماضي ، وتأولوا ( باسط ) في الآية على حكاية الحال الماضية ،
--> ( 1 ) الإنصاف : المسألة رقم 23 والمغنى ص 527 والهمع 2 / 144 وأسرار العربية ص 152 . ( 2 ) ابن يعيش 8 / 113 والرضى 1 / 249 والمغنى ص 19 والهمع 1 / 124